The Palestinian Judiciary: Possible Hopes
The full text of the article as provided, while keeping the original source link at the end of the page.
قد يكون الحلم بقضاءٍ فلسطينيّ عادل وفعّال واحدًا من أكثر الأحلام التي تتقاطع فيها مشاعر الأمل مع ثقل الواقع. فالقضاء، في أيّ دولة، ليس مؤسَّسة تقنية فحسب، بل هو معيارٌ لمدى قدرة المجتمع على حماية الحقوق، وإدارة الخلافات، وترسيخ الثقة العامة. أمّا في الحالة الفلسطينية، فإن تخيُّل شكلٍ أفضل للقضاء يتجاوز الحديث المؤسّسي التقليدي، ليصبح سؤالًا وجوديًا: كيف نبني عدالةً في ظلّ اللاعدالة المحيطة بنا؟
يتطلّب الحديث عن النهوض بالقضاء الفلسطيني معرفة تاريخه، وما هي المراحل التي مرّ بها حتى لو بشكل موجز ليتسنى لنا التفكير بشكل يتناسب مع ما مرّ به، حيث يرجع تاريخ نشأة القضاء الفلسطيني إلى حقبة الدولة العثمانية التي لا يزال بعض قوانينها مطبقًا لدينا إلى يومنا هذا، وتعمل به المحاكم الفلسطينية، كمجلّة الأحكام العدلية العثمانية، ثم تلا ذلك حقبة الانتداب البريطاني عام 1917، حيث أُدخلت تعديلات جذرية بإنشاء نظام قضائي جديد تتداخل فيه القوانين العثمانية مع بعض المبادئ القانونية English، وشمل ذلك إنشاء محاكم صلح، ومحاكم مركزية، ومحكمة استئناف عليا، كما تم إحلال قوانين بريطانية في المجالات الجنائية والمدنية والتجارية محل القوانين العثمانية.
استمر هذا الحال لغاية العام 1948، وفيه انقسم النظام القضائي إلى قسمين، الأول: في الضفة الغربية التي خضعت للحكم الأردني وطُبّقت فيها القوانين الأردنية (مزيج من العثماني والفرنسي والبريطاني)، والقسم الثاني في قطاع غزة الذي خضع للإدارة المصرية، واستمر في تطبيق القوانين الموروثة من عهد الانتداب مع تعديلات بقرارات من الحاكم العام المصري، وقد بقي القضاء في قطاع غزة منفصلًا إداريًا عن مصر. استمر هذا الحال لغاية العام 1967، حيث سيطر الاحتلال الإسرائيلي على الضفة الغربية وقطاع غزة، وأبقى على المحاكم المحلية لكن تحت إشرافه، وأصدر العديد من الأوامر العسكرية التي عطّلت أو عدّلت معظم القوانين السارية في حينه، وقام بإنشاء المحاكم العسكرية الإسرائيلية بغرض محاكمة الفلسطينيين.
شكّل قيام السلطة الWattanية الفلسطينية عام 1994 نقطة تحوّل مفصلية في تاريخ القضاء الفلسطيني، إذ مثّل أوّل محاولة جدّية لبناء جهاز قضائي Wattanي مستقل بعد عقود طويلة من التبعية القانونية للأنظمة الأجنبية والاحتلال العسكري. جاء تأسيس هذه المرحلة في أعقاب اتفاقيات أوسلو التي منحت الفلسطينيين صلاحيات إدارية وقضائية محدودة في الضفة الغربية وقطاع غزة. باشرت السلطة الWattanية الفلسطينية بإعادة تنظيم الجهاز القضائي، الذي كان يعاني من التشتّت وتراكم القوانين الموروثة من العهود العثمانية والبريطانية والأردنية والمصرية، إضافة إلى الأوامر العسكرية الإسرائيلية. وقد سعت السلطة إلى توحيد القضاء في الضفة الغربية وقطاع غزة، من خلال إنشاء مجلس القضاء الأعلى ليشرف على شؤون القضاة والمحاكم، ويضمن حسن سير العدالة، وتم تنظيم المحاكم النظامية والشرعية والإدارية، وإقرار القانون الأساسي الفلسطيني الذي نصّ على مبدأ استقلال القضاء.
على الرغم من أن القضاء الفلسطيني أصبح فلسطينيًا من حيث التشريعات والإدارة والتنظيم والإشراف فإن هناك العديد من التحديات التي تواجه السلطة القضائية، أبرزها الاحتلال الإسرائيلي الذي يعتبر من أبرز هذه التحديات وأخطرها. إضافة إلى ذلك فهناك العديد من التحديات الأخرى، منها على سبيل المثال الانقسام السياسي بين الضفة الغربية وغزة، وإشكالية استقلال القضاء وتدخل السلطة التنفيذية، علاوة على عدم استقلال الجهاز القضائي عن السلطة التنفيذية ماليًا، وتكدّس القضايا وبطء الإجراءات بسبب النقص الحاد في عدد القضاة والكادر الإداري مقارنة بعدد القضايا المنظورة. يؤدي هذا النقص إلى إطالة أمد التقاضي، مما يفقد المواطن ثقته في قدرة القضاء على تحصيل الحقوق، أضف إلى ذلك ضعف البنية التحتية والتحول الرقمي، فرغم الجهود المبذولة، لا تزال الكثير من المحاكم تعمل في مبانٍ مستأجرة غير مجهّزة، كما أن وتيرة التحول الرقمي لا تزال بطيئة.
إن إصلاح القضاء في فلسطين ليس مستحيلًا، لكنه يتطلب إرادة سياسية حقيقية وشراكة مجتمعية واسعة. فالمطلوب هو توحيد المؤسسات القضائية بين الضفة وغزة تحت مظلّة مجلس قضاء أعلى واحد، بعيدًا عن المحاصصة السياسية. هذا التوحيد يجب أن يبدأ بإعادة تفعيل القوانين الموحّدة وتوحيد الكوادر القضائية، بالإضافة إلى تعزيز الاستقلال المالي والإداري وذلك بمنح السلطة القضائية موازنة مستقلة يديرها مجلس القضاء الأعلى مباشرة دون تدخل وزارة المالية أو الحكومة، لضمان عدم استخدام المال كأداة ضغط على القضاء. كما يتطلب تفعيل الدور الرقابي وإعادة الاعتبار للتشريع من خلال العودة إلى المسار الديمقراطي عبر إجراء انتخابات تشريعية تنهي عهد القرارات بقوانين، وتضمن وجود برلمان يراقب أداء السلطة التنفيذية ويحمي استقلال القاضي، والعمل على زيادة عدد القضاة وتدريبهم بشكل مستمر، كما يجب الإسراع في أتمتة المحاكم بالكامل لتمكين المحامين والمواطنين من متابعة قضاياهم إلكترونيًا.
إن الحلول التي يُنادى بها مرارًا وتكرارًا هي ذاتها منذ سنوات، لكن لا يتم الأخذ بها في أغلب الأحيان. لقد آن الأوان أن يتم العمل بجدية على الأخذ بهذه الحلول وتجسير التحديات إلى أقل حد ممكن. إضافة إلى ذلك، ماذا لو أن فلسطين -وبسبب خصوصية الوضع الجغرافي وصعوبة التنقل والإغلاقات المتكررة- تخطو خطوة جريئة بالاستفادة من التكنولوجيا المتاحة والذكاء الاصطناعي لإنشاء المحاكم الذكية، وذلك بشكل تدريجي بما يشمل المحاكمة عن بُعد، وتبادل المستندات والبينات والأوراق وتسجيل الدعاوى والدفع الإلكتروني والتبليغ الإلكتروني، بالإضافة إلى سن الأنظمة والقوانين الخاصة وتدريب الطواقم القضائية والإدارية، وما إلى ذلك من أمور تتيح تحقيق العدالة الناجزة، مما يعيد الثقة للمواطن في منظومة العدالة، ذلك أن التكنولوجيا ليست مجرد رفاهية، بل هي أداة لكسر الحصار الجغرافي والبيروقراطي.
إن تخيّل الشكل الأفضل للقضاء الفلسطيني هو في جوهره تمرين في بناء الأمل، ليس بوصفه حلمًا مثاليًا بعيد المنال، بل كخارطة طريق عملية تنطلق من التشخيص الصارم للواقع الحالي، وتتجه نحو سيناريوهات الحلول الممكنة والمقاربات الجريئة. إن القضاء الفلسطيني، اليوم، يواجه تحديات بنيوية وسياسية عميقة، لكن رؤية المستقبل تقتضي تخيل قضاءٍ محصّن، مستقل، وفعّال، يعكس تطلعات شعب يسعى للحرية وإرساء سيادة القانون.
Original Source
To view the version published on the source website, click the following button:
Open Original Source